مكسيم
رواية
الأديب : علي محفوض

برعاية
دار المنال العربي


مكسيم : رواية حاصلة على موافقة إتحاد الكتاب العرب رقم/١١١/لعام /2018

تصميم الغلاف والتنسيق : أ.ديمه العاشور

التدقيق : أ. ريمون سليمان


الأديب : علي محفوض

الأديب : علي محفوض من مواليد سوريا /1961/في مدينة حمص . حاصل على إجازة في الحقوق من جامعة دمشق . عمل گ مدير للعقود والأليات والأبنية في المؤسسة العامة للبريد . هاوٍ للأدب والفن التشكيلي منذ نشأته ، ولديه أعمال فنيّة في النحت على الحجر والخشب . صدرت له أعمال أدبية متعددة ، منها في الرواية ، والشعر ، والقصة ، ومنها في الفكر وغيرها . ومن أعماله الأدبية في الرواية : رواية : أكبادنا المهاجرة . رواية : في سرير النهر . رواية : مأساة المحامية العاشقة . رواية : ميراي . في الشعر: أصدر : ديوان : في عينيك . ديوان : أمي يا أميرة . وفي القصة كانت له مجموعة قصصية تحت عنوان,,لو أني,, أصدر مجموعة من الكتب الفكرية : كتاب : علم الإدارة . كتاب الإمام علي للقائد مالك الأشتر النخعي حين عين والياً على مصر . كتاب : نور من القرآن . الأديب علي محفوض صاحب فكر متّزن ، واسع الحكمة ، ولا يكفّ عن تشجيع الجيل الناشئ في الحفاظ على مسيرة الأدب و اللغة العربية . وأخيراً صدرت له رواية ,,مكسيم,,الماثلة بين أيديكم .


_ ١ _

بعد أن دخل الغابة المترامية الأطراف ، المنحدرة من أعلى الجبل إلى أسفله قرب النهر ، الواسعة في امتداداتها ، الكثيفة في أشجارها ، و عبر طريقها الوحيد الذي يعبره في المنتصف تقريباً و ذلك بوساطة جراره الزراعي الذي يملكه ، و بعد وصوله إلى المكان الذي قصده ، أوقف الجرار على حافة الطريق . أطفأ المحرك ، فهدأت أصوات ضجيج المقطورة ، ذلك الصندوق الحديدي الذي يجره وراءه ، حيث كانت تسمع إلى مسافة بعيدة ، لقد وضع فيها منشار الحطب الذي يعمل محركه على البنزين ، و بعض الأدوات التي يحتاجها للعمل الذي سيقوم به ، و لم ينسَ أن يحضر عبوة إضافية من البنزين ليضمن استمرارية عمله لمدة أطول . كان ابنه الصغير الذي لا يتجاوز عمره السنوات العشر برفقته ، لم يستطع التملص منه هذه المرة كما كان يفعل سابقاً ، لقد علق به يريد الذهاب معه إلى الغابة ، والده لم يكن يرغب في اصطحابه ، ليس لرغبته في ذلك ، و إنما كي لا يرى أو يعرف ما يفعله هناك . لقد اصطحبه مرغماً ، لم يستطع الطفل الصغير مكسيم التحدث إلى والده أثناء ذهابهما إلى الغابة و هو يعتلي الجانب الأيمن من الجرار ، نظراً لصوت محركه المرتفع و الضجيج الصادر عن حركة المقطورة . كان يتخيل في ذهنه شكل الغابة من الداخل عندما كان يراها من بعيد فيظنها عالماً آخرً ، أصيب بالدهشة والخوف بعدما أصبح بداخلها ، و أراد أن يعبر عن ذلك و يبلغ والده عما يدور في خلده ، لكنه لم يستطع ، بسبب صوت محرك الجرار المرتفع ، فانتظر لحين إطفائه . أدهشته تلك الأشجار الجميلة المتنوعة ، الكبيرة منها و الصغيرة ، و تلك النباتات و الأعشاب المختلفة الأنواع ، و بعض الورود البريّة المختلفة الأشكال و الفريدة من نوعها

_ ٢ _

و مع اختفاء صوت الجرار ، عندما توقف في المكان المقصود ، كان سكون الغابة طاغياً بعد أن همد الجرار ، حيث لم يكن يسمع إلا حفيف أوراق الأشجار الجميل ، و نسيم الهواء العليل ، الذي كان يلاعبها فتهتز حين يتدفق مسرعاً ، و تهدأ حين يستريح قبل أن ينطلق مجدداً . أخذ والده ينزل أدواته من مقطورة الجرار ، أما مكسيم فقد بدأ يطرح أسئلته و هو في قلبها - لقد كان يرى الغابة من بعيد ويسمع عنها الكثير الكثير - فكان سؤاله الأول : ماذا ستفعل هنا يا أبي ؟، تأخر الرد قليلاً ، فالسؤال مفاجئ بالنسبة لأبي مكسيم ، إنه يفكّر فيما سيقول لابنه ، حيث وردت في ذهنه عدة أفكار لكن كلها يجمعها شيء واحد ، إنها غير صادقة ، فجاء جوابه : أتيت من أجل تقليم الغابة و تخفيف الكثافة فيها كي تنمو بشكل منتظم . لكن تعليق مكسيم على هذا الرد أربكه ، حيث أتحفه بشرح مليء بعبارات و جمل و معان و مغزى لم يكن يتوقع أن مكسيم يستطيع قولها ، و مما قاله : يا أبي ، إن كثافة الغابة شيء مفيد ، فالأشجار تقف إلى جانب بعضها البعض لتدافع عن نفسها ، فـبلاتحاد قوة ، مثل المحاربين ، فالتراص و الكثرة أفضل من التفرّد و الندرة ، فما كان إلا أن سأله : من قال لك ذلك ؟؟؟..

_ ٥ _

تساءل عن سبب هذه الحرارة ، و من أين تأتي ، و لماذا تختلف من وقت لأخر؟! ، و فكر في أن يسأل والده عن ذلك ، أو معلمته ، أو والدته ، فكانت والدته هي الخيار الأفضل . بعد انتهاء البرنامج مع  انتهاء الشارة التي يختتم بها يومياً ، أخذته خطواته إلى غرفة نوم والدته التي وجدها على وشك النوم ، و بدأ يمطر عليها أسئلته التي تدور حول الحرارة ، لدرجة أنها تخيلت نفسها في امتحان لمادة الجغرافية ، فعلى الرغم من نعسها الشديد استمعت إليه و لم تشفع لها دراستها في مجال العلوم السياحية و عملها أيضاً في الإجابة عن كل الأسئلة ، فبعضها أجابت عليها باقتضاب لأنها فوجئت بها ، و لم تكن تتوقعها ، و خاصة سؤاله عن تأثير قطع الأشجار على ارتفاع درجة الحرارة . لقد أجابته بأن ذلك يختلف من منطقة لأخرى ، ففي المناطق الجافة الشجرة ثروة وقطعها يؤثر كثيراً مقارنة بالمناطق الزراعية ذات الخضرة الواسعة . عاد مكسيم إلى غرفة الجلوس و هو يفكر بما قالته والدته ، و خاصة عن تأثير قطع الأشجار و اختلاف هذا التأثير من مكان لآخر علماً أن الكون واحد ، و السماء واحدة ، وبالتالي التأثير سيكون في كل مكان . لم يقتنع ، لذلك قرر أن يسأل معلمته عمّا قالته والدته . شعر والد مكسيم بأن العلاقة مع مكسيم قد تغيرت بعض الشيء ، حيث أحسّ بامتعاضه منه بسبب قطعه للأشجار من الغابة ، و علم أنه شكاه لوالدته ، فما كان منه إلا أن حاول إقناعه بمشروعية عمله ، وخاصة أنه يسترزق من ذلك ويحصل على أموال لا بأس بها ليؤمن لهم الغذاء و الكساء .

_ ٣ _

أجاب مكسيم : لقد شاهدت ذلك في أفلام الكرتون في التلفاز ، لقد شاهدت معركة بين متحاربين ، فاز فيها الفريق الذي تكاثف و تكاتف ، و هكذا الأشجار ، فلماذا أنت تريد قطعها..؟، دعها يا والدي تنمو و تترعرع . أخذ والده يفكر بكيفية إقناعه بأن ما يفعله مفيد للغابة و لهما أيضاً ، يعلم أن مكسيم يحب الشواء و خاصة ما يكون منه على الفحم ، فقال له : سأقوم بقطع هذه الشجرة للحصول على الحطب لأجلك ، ألا تحب الشواء؟ ، ألم تقل لي يوماً أن الحطب من الأشجار التي يبست و ماتت ، فتستفيد منها ، و تحول موتها إلى حياة من خلال الطاقة المختزنة في تلك الأغصان اليابسة ، بدل أن تلقى لتفنى في الطبيعة ، من خلال النار التي نشعلها؟!. أحرجه مكسيم وهو يسمعه تلك العبارات ، فأقوى الأدلة ما يأتي  من الخصم ، لقد انطبق عليه المثل القائل : من فمك أدينك . أحسّ أنه في ورطة ، وأخذ يفكّر بما سيقول لإقناعه ، فما كان منه إلا أن تجاهله و قام بتشغيل محرك المنشار الذي ارتفع صوت محركه ، فبدد الهدوء و السكينة ، و لم يعد يستطع أي منهما سماع الآخر . رأى أبو مكسيم أن ذلك هو الحل الأنسب للخروج من ورطته مع ابنه الصغير ، و أخذ يردد في ذهنه : ما هذا الجيل الذي لا يقتنع إلا بدليل؟!!. انقضّ أبو مكسيم بمنشاره على جذع أقرب شجرة واقفة فأصابها في عنقها ، كما يفعل الذئب في فريسته ، أوقعها أرضاً و بدأ يفتك بها فقطع أغصانها ثم أفرعها ، و من ثم الجذع . نظر مكسيم إلى ما فعل والده بتلك الشجرة بحزن ، و أخذ يقارن بين منظرها الذي أصبحت فيه ، و الحالة التي كانت عليها عندما وصلا الغابة ، فرأى في فعل والده الغدر

_ ٤ _

و قلة الوفاء لها ، لقد أحس أنها كانت ترحب بهما عندما كانت واقفة و هي تهز أغصانها ، و تنبعث رائحتها عندما كانا يقفان تحت ظلها قبل أن يقطعها إرباً إرباً . ٌلقد أحزنه ذلك و تساءل : لماذا يفعل والده هكذا؟!! لقد خلقت الأشجار لنستمتع بها و نحن نقطعها ! ، و لم أكن أعلم أن نار الشواء تنتج عن هذا الفعل ، ولسوف لن أتناول اللحم المشوي على الفحم أو الحطب بعد الأن . اعتكف مكسيم عن مساعدة والده - على الرغم من أنه طلب منه ذلك - واكتفى بالنظر إلى ما يفعله ، حيث قام بوضع ما استطاع تقطيعه من جذوع و أغصان الأشجار في صندوق الجرار عائداً إلى بيته مسروراً على عكس مكسيم الذي أزعجه ما رآه من فعل والده . مساءً جلس مكسيم أمام التلفاز يتابع أحد البرامج المفضلة لديه ، كانت درجة حرارة الجو مرتفعة ، علماً أنه في مثل هذه الأيام من السنه تكون الحرارة معتدلة ، فما كان منه إلا أن تناول جهاز التحكم العائد للمكيف و ضغط على زر التشغيل ، ثم وضعه على درجة الحرارة المطلوبة التي تناسبه ، و أخذ يتابع البرامج و هو ينعم بالهواء المتدفق من ذلك الجهاز . لم يكن يغادر الغرفة خشية اختلاف الجو ، و الفارق في درجة الحرارة بين الغرفة و خارجها ، حتى أحسّ في نفسه و كأنه أصبح مثل المواد التي توضع في البراد لحفظها من الفساد .

_ ٦ _

ولكنه لم يستطع أن يغير من حالته شيئاً ، و بقي مكسيم على قناعاته بأن ما فعله والده في الغابة و تقطيعه لتلك الأشجار الجميلة الحنونة ، فعل غير بريء ، لكنه أبقى على علاقته الرعوية ، والعاطفية ، والأبوة مع والده على أمل أن لا يطلب منه أيّة مساعدة في العمل الذي يمتهنه في قطع الأشجار و صناعة الفحم . مكسيم متشوق للحضور إلى المدرسة ، فهو يود سؤال معلمته عن تأثير قطع الأشجار على ارتفاع درجة حرارة الأرض ، وكانت العجلة بادية على حركاته ، خاصة و هو يرتدي ثياب المدرسة ، و يلبس حذائه ، ويحمل محفظته استعداداً لانتظار العربة التي ستنقله إلى المدرسة . بعد وصوله المدرسة و دخوله القاعة ، لم يكد يستوي على المقعد المخصص له حتى حضرت المعلمة ، الدرس لمادة الرياضيات ولا علاقة له بالحرارة ، أخذ يتساءل هل يسألها ، أم يخرج كتاب الرياضيات و يضعه على الطاولة؟، و بعد محاكمة ذهنية بسيطة أخرج كتاب الرياضيات و وضعه على الطاولة كما فعل أقرانه مقتنعاً أن ذلك هو العمل المناسب . عندما انتهت الحصة الدراسية ألقى نظرة إلى برنامجه اليومي ، فلم يكن في يومه هذا أي مادة تتعلق بسؤاله ، فكر في الذهاب إلى قاعة المدرسين لسؤال المعلمة ثانياً ، فهي المعلمة المتخصصة في مادة الجغرافية ، فما كان منه إلا أن اتجه إلى قاعة المدرسين التي تقع في نفس الطابق مع بداية الاستراحة ، فيما باقي الطلاب أصبحوا في الباحة . عندما وصل إلى

_ ٧ _

أمام باب القاعة ألقى نظرة سريعة من الباب المفتوح على مصراعيه ، وجدها مكتظة بالمعلمين و المعلمات ، وقف قليلاً و بين التقدم خطوة و التراجع خطوة ، فما كان منه إلا أن غيّر اتجاهه و التحق برفاقه في الباحة . هناك حيث يظلل قسم من أغصان الأشجار الممتدة و المتدلية من الشارع المجاور لسور المدرسة ، أخذ ينظر إلى تلك الأغصان بتمعن و قبل انتهاء الوقت المخصص للاستراحة سمع صوت محرك ، إنه يشبه المحرك الذي قطع والده بواسطته الأشجار في الغابة ، إنه المنشار . بدأت تلك الأغصان تتهاوى ، سأل مكسيم زميله يوسف عن هذا الأمر ، فقال له: إن هذا يحصل في كل عام لكي تنعم الأشجار بأغصان فتيّة وقويّة . عاد الطلاب من الباحة إلى صفوفهم ، بدت واضحة على محياه علامات التجهّم ، وخاصة عندما لمح من النافذة المطلة على سور المدرسة أن الأشجار أصبحت عارية و بلا رأس ، خشي عليها من الموت ، لقد قُطع رأسها . غادر مكسيم المدرسة دون أن يستطيع الاستفسار من أحد عن سؤاله ، مع اقتناعه بضرورة انتظار موعد درس الجغرافيه حيث يلقى مراده . في البيت وجد والده و قد أعد مع وجبة الغداء اللحم المشوي على الفحم ، نظر إلى طاولة الطعام مليّاً فقطب حاجبيه ، وعضّ على شفتيه ، ثم وضع محفظته في المكان المخصص لها و استبدل ثيابه ، و جلس يتناول طعامه بعد أن غسل يديه كما يفعل دائماً ، لم يتناول من لحم الشواء شيئاً ، واكتفى بتناول بعض المقبلات و المشروبات الموجودة على الطاولة .

_ ٨ _

لاحظ والده ذلك فتجاهل إثارة الموضوع و اكتفى بالمراقبة ، و بعد انتهائهما من تناول الطعام ، دار حوار بين مكسيم و والده عن الدراسة و المواد المدرسية و المدرسة ، حدّثه مكسيم عن الأشجار التي تم قطع أغصانها ، فما كان من والده إلا أن أيّد ذلك و أخذ يشرح له عن فوائدها و استرسل في حديثه ، إلى أن أخبره عن طريقة الحصول على الأخشاب من الغابات و طريقة معالجتها بالمعامل و عن تأمين حاجيات الإنسان منها من مثل أثاث البيوت ، والمقاعد الدراسية ، و الطاولات أيضاً . سأل مكسيم متعجبا : أكلّ هذه الأشياء يتم الحصول عليها من الغابة؟؟!، رد عليه : أجل أجل يا بني ، لكن ذلك يتم بشكل مدروس ، إذ يتم تدريجياً و من ثم يزرع بديلاً عنها . سأله مكسيم : وكم يلزمها لتصبح كبيرة؟، أجابه بضع سنين . بعد أن سمع من والده ما سمعه ، كان شروده واضحاً وأخذ يفكر إذا كان منزله يحوي كل هذا الأثاث من الخشب ، ومدرسته أيضاً ، فكم من الأشجار تم إعدامها لأجل تأمين أثاث لبيوت العالم ومدارسه ؟!!. عادت والدته من عملها وهي تحمل صندوقاً خشبياً وبداخله قطع من الحلوى ، أحضرتها من أجل مكسيم ، صندوق متقن الصنع وجميل ، وحين قدمته له قال وهو يتناول إحدى القطع التي وضعت بداخله : حتى الحلوى تقدم للناس على حساب الغابة؟!

_ ٩ _

و ردد في سره : ما أتعس الغابة من فعل الإنسان الذي لا يعرف قيمتها و لايستخدمها إلا من أجل المنفعة المادية ، فهو بذلك لا يشبه إلا الفأر أو الجرذ الذي يخرق السفينة للحصول على كسرة خبز . الحوارات التي كانت تدور بين مكسيم وزملائه في المدرسة لم تكن تخلو من الحديث عن الغابة وجمالها ، وعن الأشجار وفوائدها ، إنها حديثه الدائم إلى درجة أنهم بدؤوا يتجنبون لقاءه و البعض منهم كان يسأله متهكما : ( شو أخبار الغابة ). أحس بذلك ، فأخذ ينزوي بنفسه وحيداً ، بعيداً عن هؤلاء مع استمراره في البحث عن طريقة للدفاع عن الغابات و الأشجار ، كان يتساءل : أين حراس الغابة ، و لماذا يسمحون أن يُفعل بها هكذا؟؟!، ثم تابع تحضير برنامجه ليوم غد . لديه حصة في مادة الجغرافية ، لقد حان الوقت ، سيسأل معلمته ذات الاختصاص ، علماً أن الحصة مخصصة لبحث لا يتعلق بالحرارة ، وسأل نفسه هل ستستجيب المعلمة ثانية؟؟.  سأل والدته التي كانت بقربه وهو يعد برنامجه الدراسي ليوم الغد  : ماذا لو سألت المعلمة عن ارتفاع درجة الحرارة علماً أن الحصة الدراسية تتعلق بموضوع أخر؟؟ أجابته : لاشيء ، و هو أمر عادي كونها تتعلق بنفس المادة ، سره ذلك ، فحزم أمره للسؤال . نام في فراشه بعد حلم يقظة أعاد فيه استعراض شريط يوم ذهابه مع والده إلى الغابة ، و كالعادة استيقظ باكراً ، غسل وجهه ، سرّح شعره ، لبس ثيابه المدرسية ، حمل محفظته ، و خرج ينتظر السيارة التي ستقلّه إلى المدرسة .

_ ١٠ _

بعد أن ترك والدته في المنزل تستعد للذهاب إلى عملها ، وبعد أن وصل المدرسة ، وجد الوقت طويلاً وهو ينتظر حلول موعد حصة الجغرافية ، و التي كانت آخر حصّة في البرنامج لهذا اليوم المدرسي . أسارير وجهه تتحدث عن حالته و هو ينظر إلى المعلمة و هي تدخل القاعة ، لكنها على غير عادتها ، و بعد التحية بدأت بإعطاء الدرس فوراً حول خطوط الطول و العرض ، فوجد أنه ليس لديه الفرصة لتنفيذ ما خطط له ، و أخذته الحيرة ماذا سيفعل ؟؟، خاصة و أن الوقت أخد يمضي مسرعاً و المعلمة ماضية في شرحها ، و أخيراً تسأل : هل من سؤال؟. لم يكد مكسيم يصدق ما سمعه حتى رفع يده ، و عندما أعطته الإذن تفاجأ كل من في القاعة من سؤاله ؛ لم يكن يتعلق بالدرس ، بل إنه عن ارتفاع درجة الحرارة ، لذلك سمعت بعض الضحكات من بعض الطلبة ، و خاصة ممن كانوا يتهكمون به و بسؤاله عن الغابة . شعر مكسيم بالحرج و الخجل ، أسكتتهم المعلمة و أثنت عليه لسؤاله هذا وبدأت تجيبه ، فعاد له لونه الطبيعي و زال الاحمرار الذي اعتلى وجهه ، لقد عددت المعلمة بعض الأسباب التي تؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة ، فمنها ما يكون بفعل الإنسان من الملوثات التي تضر البيئة من مثل دخان المصانع و مخلفات المحركات الميكانيكية ، و قطع الأشجار التي تحرم الطبيعة من أحد المصادر الهامة للأوكسجين ، و التي تلطف الجو و تخفف من درجة حرارته مكان تواجدها . كان أغلب تلاميذ الصف في حالة من الصمت ، و خاصة الشامتين منهم ومكسيم فرحاً مسروراً ، لقد تقدم عليهم في سؤاله عند المعلمة ثانية ، و بعد أن كانوا يلقبونه وحش الغابة ، أصبحوا ينادونه بطل الغابة .

_ ١١ _

بعد الحصة غادر المدرسة مسروراً ، وتبيّن أنه من حسن حظه كانت الحصّة الأخيرة ، حيث عاد إلى بيته مسرعاً ليخبر والده بما قالته المعلمة و بما أجابته ، لعلّه يقنعه فيرفع يده عن قطع أشجار تلك الغابة التي أحبها . كانت الدقائق الخمس التي تأخرت فيها الحافلة عن الموعد المحدد لنقله عائداً ، و كأنها خمس ساعات ، فعندما وصلت إلى أمام منزله و وقفت في المكان الذي ينزل فيه عادة ، كاد يسقط أرضاً لاستعجاله بالنزول منها . فوجئ بوجود والدته في المنزل وهو يدخله ، فعادة هي تحضر بعد حضوره ، فما كان منه إلا أن حيّاها وهو يقول بصوت مرتفع على غير العادة وبلهجة استفهام وتعجب : ماما ؟! ردت نعم سيد مكسيم ، وتابعت ، هيّا تناول الطعام ، استرح و أنجز دروسك ، لأننا غداً سنذهب إلى المدينة برفقتك ، و في طريق العودة سيكون لنا زيارة لصديق والدك الذي يسكن قرب مصفاة البترول و التي يعمل فنيّاً فيها ، و هي قريبة من الطريق العام الذي سنعبره . سألها : هل يوجد غابة في المدينة ؟ قالت : أعلم أنه يوجد حدائق ، ثم بدأ يقصّ عليها ما قالته المعلمة ، و عندما حضر والده أعاد عليه العبارات و الجمل نفسها ، و قبل أن يطلب من والده الكف عن قطع الأشجار و الاكتفاء بالحصول على الأغصان اليابسة منها ، و ما يحصل عليه من التقليم الطبيعي ، فقاطعه والده ليخبره بما أخبرته والدته من قبل عن زيارتهم للمدينة .

_ ١٢ _

عندما كان مكسيم يتناول الطعام مع والده أعاد على مسامعه مرة أخرى ما جرى في درس الجغرافية ، ثم قال له : أرأيت يا والدي ، إن في قطع الأشجار ضرراً فادحاً ، وعلينا الزراعة بدل القطع ، أيدته والدته بذلك وهي تمدح معلمة الجغرافية على معلوماتها المفيدة ، بينما الأب اكتفى بأن ردد كلمة ( حسناً ) مرتين . خيم الصمت بعدها ولم يُقطع إلا عندما حمد مكسيم الله تعبيراً عن شبعه بعد تناول الطعام ثم قام و ذهب ليغسل يديه كما يفعل دائما . يعلم مكسيم أن المدينة ليست بالبعيدة ، لأن والده يذهب إليها و يعود في نفس اليوم . في الصباح غيّر مكسيم رأيه و أبلغ والديه بعدم رغبته في هذه الزيارة ، لكونه سيقوم بالتحضير لاختبار مادة العلوم . اقتنع الأب بذلك و لكن والدته ألحت عليه بأن يرافقهما ، فهي ترغب بذلك ، ولكي تحمله على التراجع عن قراره أغرته بأنها ستشتري له بعض الغراس التي يريدها ليزرعها في المكان الذي يرغب به ، فنجحت في ذلك . وما أن أصبحت العربة جاهزة للإنطلاق حتى كان مكسيم أول الصاعدين إليها ، وجلس في المقعد الخلفي وحيداً بينما جلست والدته في المقعد الأمامي جانب السائق . سأل مكسيم والده : ماذا سنفعل في المدينة يا أبي؟ رد عليه : سوف أتقاضى ثمن كميات الفحم والحطب التي قمت بتسليمها لصديقي بائع الفحم ، وسوف نشتري أنا ووالدتك بعض الأشياء المنزلية

_ ١٣ _

والحاجات الشخصية ، وفي طريق العودة سنقوم بزيارة صديقي الذي يعمل فنياً في المصفاة الواقعة على الطريق . خلال عبور الطريق باتجاه المدينة لم يكن مكسيم يرى على جانبي الطريق سوى الأراضي الجرداء القاحلة ، فسأل والدته عن أسباب ذلك فكان جوابها بسبب عدم وجود المياه . سألها متعجباً : ألا تمطر هنا ؟!! ، أجابت : نعم تمطر ، لكن بكميات قليلة ، وهي غير كافية لنمو الأشجار ، ثم عاد وسألها : ولماذا لا تمطر هنا كما في قريتنا ؟ ، احتارت ماذا ستقول له ، فما كان منها إلا أن اختارت جواباً عللت فيه السبب لارتفاع درجات الحرارة . ظهرت المدينة من بعيد ولم تعد المسافة التي تفصلهم عنها بالطويلة حيث لاحت لهم الأبنية المرتفعة وسحب الدخان المتصاعدة فوقها حتى خال بأنها تحترق . سأل مكسيم والدته عن ذلك : فراحت تشرح له عن سبب هذا الدخان ، فحدثته عن المصانع والمعامل والسيارات والأليات ، و استخداماتها العديدة في الأماكن العامة و الخاصة من مراجل  و مدافئ و أفران ، و كلها تؤدي إلى ظهور هذا الدخان . سألها : و كيف يتنفس الناس ، و هل سندخل في هذا الدخان ، ألا نحترق؟؟!!!.

_ ١٤ _

أجابت : يا ولدي إنه مرتفع جداً وأنت تشاهده هكذا لأنك تنظر إليه من بعيد . لم تدُر عقارب الساعة كثيراً إلا و كانوا قد أصبحوا على مدخل المدينة ، فكان والده يقود العربة بين جموع العربات الكثيرة العدد و المتنوعة ، و يخترق الشوارع ماراً من مكان إلى آخر ، حتى وصل إلى محل صديقه بائع الفحم . ركن سيارته في مكان قرب رصيف كل من ينظر إليه تبدو له آثار الفحم من خلال اللون الأسود الذي يوشح معظم المكان . ترجّل والده من السيارة و بقي مكسيم و والدته بداخلها ينتظران عودته . توجّه إلى مكتب مفتوح يجلس فيه رجل خمسيني ، دخله ثم حياه ، و أخذ يكلمه دون أن يجلس ، على الرغم من وجود بعض المقاعد الفارغة إلى جانب ذلك المكتب ، و الذي يتبين لأي ناظر إليه وجود مستودع ضخم محشو بأكياس الفحم الممتلئة . راح مكسيم يفكر بتلك الأشجار التي حرقت من أجل الحصول على هذه الكميات من الفحم ، و تساءل مرة أخرى : هل خلق الله الشجرة لنقطعها ونحرقها أم لنزرعها ونحميها ؟!.. شاهد والده وهو يستلم مبلغاً من المال من الرجل ثم يقوم بوضعه في محفظته ، قبل أن يتجه عائداً إلى عربته . استوى أبو مكسيم على المقعد وراء المقود ، ثم التفت إلى زوجته وسألها : إلى أٌن تودين الذهاب؟ ، فكرت قليلاً و بعد برهة فيها بعض الحيرة ، قالت : إلى محلات الألبسة .

_ ١٥ _

تدخل مكسيم و طلب من والده أن يأخذه إلى الحديقة ، فردّ عليه والده : إن بقي لدينا وقت كافٍ . صمت بعد سماع ما قاله والده و تمنى أن يكون من أصحاب الحظ السعيد ، و أن يتوفر الوقت الذي يسمح له بزيارة الحديقة ، بعد جولة في المدينة . لم يبقَ مكان يحتاجون منه شراء حاجة إلا و قصدوه ، و من بين تلك الأمكنة مكان شراء بعض قطع الغيار لمنشار الحطب ، و لم تبق لهم من الأشياء المطلوب تأمينها سوى الغرسة التي وعدته بها والدته . حاول والده الانعطاف بالسيارة إلى المشتل القريب ، و عندما أدركت والدته ذلك ، طلبت منه زيارة الحديقة أولاً ، فاستجاب لطلبها خاصة و أنها تريد ذلك نزولاً عند رغبة مكسيم . و لدى وصولهم إليها و بالقرب من أحد المداخل و في المكان المخصص لوقوف السيارات ، ركن أبو مكسيم سيارته ، وعندما ترجلوا منها قاصدين الحديقة ، كان مكسيم في البداية يسير  خلفهم ، و بعد أن دخلوا الحديقة أخذ يسبقهم في المسير ، فكان ٌيتلمس الأزهار و جذوع الأشجار ، إلى أن وقف بجانب ساقية ماء تسير مياهها متدفقة عبرها ، أدهشه منظر تدفق المياه وطريقة سيرها ، وعلِقت عيناه على بعض الشوائب التي تحملها تلك المياه معها في رحلتها العابرة للمكان . لم يشعر بالوقت الذي استغرقه وهو يتابع سيرها في ذلك السرير الذي يضيق في مكان ويتسع في مكان آخر ، وفي أماكن يختفي ليظهر مجدداً في مكان أخر . و بعد استراحة قصيرة تحت أغصان شجرة توت كبيرة - بناء على رغبة أبو مكسيم - تابعوا سيرهم ، حيث كان مكسيم يسير فوق مروج الأعشاب الخضراء

_ ١٦ _

الغضّة ، فيركض كما يفعل المهر الصغير أحياناً ، و أحياناً يسير فوق المدرجات الإسمنتية . في أثناء ذلك شاهد شجرة وارفة الظلال تتدلى منها ثمار تشبه قرون الماعز ، رائحتها طيبة ، سأل والده عنها ، فأجابه بأنها شجرة الخروب ، ألا يوجد منها في قريتنا؟ فرد عليه : لا أعتقد فلم أشاهد أي شجرة ، لماذا؟ لا أعلم . لماذا لم تزرع شجرة منها في القرية يا أبي؟! فقال له : إنها شجرة حراجية و نحن في القرية نعتمد على الأشجار المثمرة لنستفيد من ثمارها . رد على والده : لكنك تستفيد من الأشجار الغير المثمرة!!!. علم والده أنه يقصد موضوع الفحم والحطب ، فأجابه بأنها غير مرغوبة للفحم و الحطب ، و لا تصلح للأثاث المنزلي ، فكانت هذه المعلومات كافية لتكون تلك الشجرة خياره للغرسة التي وعدته والدته بها ، وتمنى أن يجد منها في المشتل الذي سيقصدونه كي تنفّذ والدته وعدها له وتهديه الغرسة . عندما غادروا الحديقة ، كان مكسيم

_ ١٧ _

أسعده ، بالرغم من أنه و أثناء تجواله أخافه قط أسود ضخم ، و خاصة عندما وقف ينظر إليه من بعيد بعينيه الحمراويتين . في طريقهم إلى المشتل ، أبلغهما أبو مكسيم بأنهم لا يستطيعون التأخر في المشتل نظراً لاقتراب موعد الغداء لدى صديقه الذي ينتظر قدومهم ، فقالت والدته : إن ذلك يتوقف على مكسيم فهو الذي سيختار الغراس ، و في حال كان اختياره سريعاً سيكون الوقت الذي نستغرقه قصيراً . قال مكسيم في ذهنه : هل أخبرهما بأنني أريد شجرة الخروب  وأختصر الوقت أم أنتظر ، فلعلّي أجد ما هو أفضل منها؟؟ ، وبعد محاكمة ذهنية أسرع من البرق ، فضّل الصمت على الإجابة ، لأن في العجلة الندامة . عندما وصلوا المشتل ، كانت السيارات تقف أمام مدخله إلى جوار بعضها البعض صفاً صفاً ، والناس يتجولون بداخله زمراً زمراً ، فمنهم من كان يحمل الورود ، و منهم من يحمل الغراس ، و منهم من يسير خالي اليدين . في المشتل غراس متنوعة ، و نباتات شتى من كل الأصناف و الأنواع ، و مكسيم في حيرة من أمره ، يسأل عن كل غرسة يشاهدها ، حتى عن الورود . سأله والده : هل وجدت مرادك ؟ ، ليس لدينا الوقت الكافي ، فقال له : نعم يا والدي أريد شجرة خروب . عندما سمع والده ذلك أبدى استغرابه ، و ردد العبارة وراءه متعجباً خروب!!! ثم سأله : و لماذا الخروب؟!!

_ ١٨ _

أجابه مكسيم : لقد أعجبتني ، إنها شجرة جميلة ، ألم ترها يا والدي في الحديقة كم هي جميلة؟! ، يا أبي ، ألم ترى ثمارها الجميلة التي تشبه قرون الماعز؟؟! رد عليه : إنها شجرة حراجية يا ولدي ، وتنمو بحجم كبير جداً ، أين ستزرعها ؟!!، أريد أن أزرعها في الغابة القريبة ، فتساءل والده في الغابة ؟!!، ولماذا لا تزرع شجرة مثمرة في أرضنا نستفيد منها؟!!! فقال له : وهذه نستفيد منها  سأله باستغراب وبما نستفيد منها؟!!، وقبل أن يجيب مكسيم على سؤال والده ، تدخّلت والدته قائلة : دعه يأخذ ما يريد . فسأل البستاني عمّا إذا كان لديه هذا النوع من الغراس ، رد بالنفي وأرشده إلى المشتل المجاور الذي تتوفر فيه هذه الغراس ، فاتجهوا إليه سريعاً و سيراً على الأقدام ، فهو مشتل ملاصق للمشتل الذي هم فيه . ما إن وصلوه حتى قام أبو مكسيم بسؤال العامل القائم على رعايته عن غراس الخروب ، وهل هي متوفرة لديهم أم لا ؟، رحب بهم و أعلمهم بوجود ذلك النوع من الغراس و سار أمامهم باتجاه مكان وجودها ، و بعد معاينة بعض الشجيرات ، اختار مكسيم اثنتين منها و قام والده بدفع ثمنهما .

_ ١٩ _

حمل مكسيم واحدة ، و الأخرى حملها والده ، إلى أن وصل إلى مكان وجود السيارة ، فقاما بوضعهما في الصندوق الخلفي ، و صعد كل منهما إلى المقعد المناسب ، ثم أدار أبو مكسيم المحرك و أمسك المقود و انطلق . وطوال الطريق الواصل إلى بيت صديقه ، كان مكسيم يفكر بالغرستين ، خشي عليهما الموت ، لقد وضعهما في صندوق مغطى ، لكنه خاف اختناقهما ؛ فهو يعلم أن النبات يتنفس ، هكذا تعلم من مادة العلوم ، و لذلك عندما وصلوا و أوقف والده السيارة أمام منزل صديقه ، قام على الفور بتفقدهما قبل دخوله المنزل فوجدهما في حالة جيدة ، فما كان منه إلا أن تبسّم تعبيراً عن سروره . صافح مكسيم صديق والده الذي طبع قبلة على خدّه ترحيباً به كما فعل مع والده و هما يدخلان المنزل ، و بعد أن استوى كل منهم جالساً في مكانه ، لمح مكسيم من النافذة شعلة مرتفعة ليست بالبعيدة ، نظر إليها ملياً و هو يتذكر أنه سبق و أن شاهدها من قبل ، ثم قال : نعم نعم ، عندما كنا في طريقنا إلى المدينة . بعد ذلك انخرط يلعب مع أقرانه من أولاد العم أبي فرح ، بينما كانت والدته تحدّث أم فرح عن مشترياتها المنزلية لهذا اليوم ، وأبو مكسيم جلس يحدّث صديقه أبا فرح عن مكاسبه من التحطيب و صناعة الفحم . توقف مكسيم قليلاً عن اللعب ، و أخذ ينظر إلى تلك المنشأة الضخمة القريبة من مكان سكن أبي فرح ، لأول مرة يرى مثلها من مسافة قريبة ، ثم اتجه إلى والده و سأله عنها أسئلة جديدة و متعددة ، فيما إذا كانت تتسبب في رفع درجة حرارة الأرض ، و هل يوجد مثلها في بقية بلدان العالم؟!!.

_ ٢٠ _

تلقّى إجابات عن كل أسئلته من صديق والده ، فعلم أنها مصفاة بترول ، ويوجد مصافٍ مثلها في معظم بلدان العالم وخاصة النفطية منها ، أو التي تمر عبرها خطوط البترول . كان مكسيم فرحاً بعد انتهاء الزيارة ، فقد عادوا إلى القرية  بغرسات الخروب ، وكل حديثه مع والده في أثناء العودة كان عنهما . وقبل وصولهما بقليل صمت مكسيم ، لقد أعاده الشرود إلى تلك المصفاة وتلك الشعلة التي لا تنطفئ ، وأثرها على درجة الحرارة ، وعلى تلك الأرض الجرداء القاحلة التي تجاورها ، وأخذ يفكر في دخان المدينة المتصاعد الذي شاهده عندما دخلوها ، و كذلك دخان السيارات ، حتى ظن والده أنه نائم ، و كي يتأكد من ذلك ناداه باسمه ، فرد عليه على الفور ، ثم تابع مكسيم تفكيره ، وسأل نفسه عن زراعة الخرّوب ، ولماذا لا يتم الإكثار منه؟؟! ، كون تلك الشجرة غير مرغوبة للحطابين ، و غير مفيدة للاستخدامات المنزلية ، مما يشكل حماية ذاتية للغابة ، و يؤدي إلى تكاثر هذا النوع من الأشجار ، وبالتالي رفد الغابة والطبيعة بما يفيدها ، و يساهم في حمايتها والتخفيف من التلوث المسيطر . وصلوا القرية مع مغيب الشمس و لم يُتَحْ لمكسيم غرسهما في نفس اليوم ، فما كان منه إلا أن وضعهما في مكان آمن بعد أن قام بسقايتهما بوساطة الكوب الذي يستخدمه للشرب . في صباح اليوم التالي ، اليوم الثاني من العطلة الأسبوعة ، ذهب برفقة والده بواسطة الجرار الزراعي بعد أن وضع الغرستين في الصندوق

_٢١ _

بجوار المنشار ، وإلى جانبهما المعول الذي سيقوم بوساطته بحفر الحفرة المناسبة لكل منهما ، و بعد وصولهما ذهب كل منهما إلى مبتغاه ، فحمل والده منشاره واتجه إلى مكان القطع ، بعدما أرشده إلى طريقة الزراعة . قام مكسيم بمعاينة أمكنة عدة ليختار أفضلها كي يزرعهما ، فتناول المعول و بدأ الحفر ، كان يستعمل يديه أحياناً في تعزيل التراب من الحفرة ، وبعد الانتهاء من الحفر استعان بوالده ليتأكد من أنهما أصبحتا مناسبتين . وضع والده منشاره جانباً ، وحضر إلى مكان الحفرتين ، و بعد أن عاينهما تناول المعول و بدأ الحفر ليزدهما عمقاً و اتساعاً ، ثم أعطاه بعض الإرشادات لكيفية الغرس و طلب منه سقايتهما من الخزان المعبّأ في الجرار ، قبل أن يعود لمتابعة عمله . لقد أخذ يضع في مقطورة الجرار ما استطاع تقطيعه من جذوع الأشجار ، و بينما كان مكسيم يلتقط بعض الصور للغرستين من خلال جواله ليعرضهما على والدته وعلى زملائه في المدرسة ، عندها اخترق صوت والده مسامعه ، طالباً منه الصعود إلى الجرار لأجل العودة ، مما جعله يستعجل في التقاط بعض الصور الأخرى للغابة . وهما عائدان إلى القرية كان مكسيم ينظر إلى ذلك المنشار القابع فوق جذوع الأشجار المقطّعة بحقد ، حيث خطر بباله التخلص منه ، وأخذ يفكر في كيفية تعطيله بعيداً عن الأعين ، و من دون أن يترك أثراً يدل عليه ، فهو يعلم المكان الذي يضعه فيه والده . تساءل : هل أقوم بقطع المسننات أم بفك بعض البراغي والعزقات

_ ٢٢ _

أم بقطع بعض الأسلاك و التوصيلات ؟ . عندما وصلا القرية ، ولحظة دخول مكسيم المنزل حيث كانت والدته أمام المدخل ، كانت التحية لوالدته سريعة دون قبلات لقد بدأ يشرح لها عن العمل الذي قام به ، ثم عرض عليها الفيديو الذي قام بتصويره للمكان و طريقة الغرس ، فأثنت عليه و شجعته على فعلته ، قائلة : أحسنت أيها المهندس الزراعي الصغير ، وقف مليّاً عند هذه الكلمة و راح يفكر بها ، و بدأ يكررها في ذهنه ثم قال بصوت خافت و هو يحرك شفتيه ببطء : جغرافية ، مهندس زراعي . نظرت إليه والدته و نادته : هيْ مكسيم ، ما بك ماذا تريد ، فأجابها : لا شيء لا شيء . ثم تابعت والدته حديثها معه ، و أوصته بأن يقوم بسقايتهما باستمرار ، و بعد أن أكد لها أنه سيفعل ما طلبت منه ، اختلى بنفسه و أخذ يفكر في تعطيل المنشار . وبعد محاكمة عقلية و ذهنية صامتة ، اتخذ قرار التعطيل و انتظر الوقت المناسب ، تناول أحد المفكات المتواجدة في الصندوق الخاص بالمعدات ، ثم ذهب باتجاه مكان تواجد المنشار ، حيث كان يسير ببطء وينظر في كافة الاتجاهات كي يتأكد بأنه لن يَرَهُ  أحد ، كان يفعل كما يفعل الثعلب الماكر عندما يتربص بفريسته ، إلى أن دخل إلى الغرفة مكان تواجده . لاح له و هو يستريح في أحد زواياها و قد بانت عليه أثار فعتله في الأشجار ، مد يده وأخذ يتحسسه ويتلمّسه ، ثم وضع المفك على أحد العزقات ، كان خائفاً و متردداً ، و قبل أن يبدأ بفكها فكّر بكلام والده

_ ٢٢ _

بأن عمله على هذا المنشار يؤمن لهم قوت يومهم من الغذاء  والكساء والبناء ، فتراجع وعاد مسرعاً على عكس حضوره البطيء . أعاد المفك إلى مكانه وذهب إلى محفظته المدرسية ، أخرج كتبه ودفاتره وأقلامه وبدأ بتحضير دروسه مع شيء من الخوف . في المدرسة معظم أحاديثه كانت تدور عمّا فعله في الغابة ، فيقص على زملائه الطلبة قصصاً عن زراعة الأشجار و يحثهم و يشجعهم على أن يفعلوا مثله ، فمنهم من استجاب ، و منهم من أدار ظهره . لم يترك مكسيم الغرستين بحالهما ، بل لاقتا منه كل الاهتمام المطلوب ، فكان نموهما مميزاً ، وهذا ما كان يلاحظه أي زائر يصحبه مكسيم إليهما . في إحدى المرات و خلال استراحته عندما كان جالساً أمام التلفاز يتابع أحد البرامج التي يهتم بها ، شاهد صوراً لبركان ثائر و قد سمع المذيع و هو يتحدث عنه ، و خلال بث الخبر كانت المشاهد و الصور التي بثت تظهر الحمم الملتهبة و المنصهرة ، و الدخان المتصاعد ، و الرماد المتطاير و المنتشر ، فسأل نفسه : ألا يؤثر هذا البركان على درجات الحرارة ، و هل يمكن السيطرة عليه كما يتم عند وقوع الحرائق ، و هل يمكن ذلك بواسطة سيارات الإطفاء أو الطائرات الخاصة ؟؟ . عادت والدة مكسيم من الرحلة السياحية التي رافقت بها وفداً زائراً من بلد تتواجد فيه مياه كبريتية ، وقد أحضرت منها عبوة صغيرة لمكسيم ، وعندما حضرت أخذت تحدثه عن تلك المياه ، وعن فوائدها ، وأماكن تواجدها ، ووعدته بزيارة لها

_ ٢٣ _

في أقرب فرصة . تناول العبوة وبدأ يتفحصها ، ثم أردف يردد عبارة : ( على جذع شجرة الخروب ) ، بعد أن علم أنها غير صالحة للشرب . مضت السنون وحصل مكسيم على شهادة التعليم المتوسط بتفوق ، وأصبح في مرحلة التعليم الثانوي ، أي ما قبل الجامعة . أصاب منشار والده العطل والاهتراء ، وكاد في أحد المرات أن يودي بحياة والده عندما أصابه في رأسه أثناء استخدامه ، مما أدى بوالده لترك العمل على المنشار ، و التفرغ للعمل في الحقول ، فأصبح لديه حقل من الأشجار المثمرة ، بعدما زرع مكسيم في رأسه تلك الفكرة . كان سعيداً وهو يرى ذلك البستان الجميل ، وخاصة عندما يكون في حالة الإزهار ، وأيضاً عندما يستنشق تلك الروائح العطرة للأزهار ويملأ رئتيه بالهواء النقي المشبع بالأوكسجين . لقد تأكد له أن مكسيم على حق ، وبأنه يجب على الإنسان أن يزرع ، لا أن يقطع ، فتُرفد الطبيعة بما يفيد الناس ويسعدهم ، وقال : علينا أن نعمل باتجاه ما هو خير للبشرية دائماً ، لقد كدت أن أدفع حياتي ثمناً لعملي على المنشار في عدة مرات ، لقد سببت الضرر به للغابة ، قضيت على أشجار جميلة ومفيدة ، أما العمل في هذا البستان فكله أمان . ما أشهى الثمار اللذيذة وما أطيبها ، وما أنقى الهواء ، أحسنت يا مكسيم يا ولدي ، كنت أظنك صغيراً وأنا أكبر منك ، وأعلم أكثر منك ، فتبين العكس ، فها أنا ذا أحصل على الفائدة الأكبر من العمل الحالي بجهد أقل وظروف أفضل ، أبيع محصولي وأحصل على المبالغ المالية

_ ٢٤ _

الكافية ، وأحصل أيضاً على الحطب من الأغصان الزائدة واليابسة بكل يسر وسهولة ، آه يا مكسيم كم أتمنى أن تصبح مهندساً زراعياً . تكاثرت أشجار الخروب ، وبدأ أهل القرية الاهتمام بتلك الشجرة والإكثار من زراعتها ، لقد علم مكسيم أنه يصنع من ثمارها مادة تسمى الدبس ، طعمها شهي يشبه العسل وله فوائد كثيرة ، وتبين أن النحل يحب أزهارها ، ويجني منها رحيقاً شافياً لكثير من الأمراض المستعصية ، ولوحظ تكاثر خلايا النحل في القرية ، وبعض الأهالي كان يأخذ ثمار شجرة الخروب الحلوة المذاق ليقدمها غذاء لحيواناته الأليفة من البقر والماعز والغنم ، فيظهر أثرها في طعم الحليب الذي يحصل عليه منها . لقد غدا مكسيم علماً في القرية ، وأصبح كل أهل القرية يلقبونه بالمهندس الزراعي ، مما اضطره للحصول على المراجع العلمية التي تفيده في المناخ والزراعة ، فأكثر منها ، حيث كان والده يمده بالمال اللازم لشراء تلك الكتب ، وكذلك قام بالاشتراك عبر الشبكة العالمية ( النت ) ، ليستعين بها عند حاجته في الحصول على المعلومات المطلوبة . لقد ساهم في انتشار الزراعة الحديثة في القرية ، و التي تساعد على الزراعة الجيدة ، بالإضافة لمتابعته شؤون الغابة إلى أن تكاثرت أشجارها وخاصة الخروب منها ، والذي انتشر بكثرة . لقد أصبحت الغابة مقصداً للزائرين من المدينة والقرى المجاورة لقريتهم ، بغية التمتع بالهواء النقي ، وسكون الطبيعة وجمالها ، فكانوا يسمونها أحياناً غابة مكسيم ، وأحياناً غابة الخرّوب .

_ ٢٥ _

كان مكسيم يجلس بشكل دائم على الشرفة المطلة على الغابة في منزله عندما يودّ الاستراحة ، ينظر إليها من بعيد ، فيرى تلك الحقول والأشجار ، وينظر إلى السماء والشمس في النهار ، ويراقب القمر والنجوم في الليل ، يفكّر بالهواء والحرارة والطبيعة ، ويتساءل : هل تحترق الأرض إذا ارتفعت درجة الحرارة كثيراً ، ويحترق كل من عليها ؟؟ ، ومنها الأشجار التي زرعتها ، وتلك الغابة التي ينعم الناس بفوائدها . هذه الأسئلة دفعته للتفكير في اختيار الاختصاص المناسب له عند دخوله الجامعة و التي لم يعد يفصله عنها سوى سنة دراسية واحدة ، وأخذ يتساءل بينه وبين نفسه ، هل تلك المواضيع من اختصاص الهندسة الزراعية ، أم البيئة ، أم الجغرافية ، أم هناك اختصاصات أخرى لم أسمع بها ؟. وكان خلال جلسته يفكر في موضوع قطع الأشجار كثيراً ، وبعدد سكان العالم الهائل ، ويقول : لو كل فرد في العالم يغرس غرسة لكانت تغيرت أحوال الطقس وتحسنت ، ومنها الحرارة . بدأ مكسيم يهتم بشؤون والده الزراعية ، فأخذ يساعده في تسويق منتجاته إلى الأسواق ، وفي إعداد مستلزمات كل موسم لغراس الأشجار التي سيغرسونها ، حتى إنه ونتيجة لزيارته المتكررة إلى أبي فرح صديق والده الذي يسكن بجانب مصفاة البترول ، جعله يزرع في قطعة الأرض المتواجدة أمام منزله بعضاً من الغراس ، فتحولت بفعل ذلك وبفضله من أرض جرداء إلى حديقة منزلية جميلة ينعم مرتادها بالراحة والصفاء ، وكان أبو فرح يحصل من خلال أغصانها اليابسة أيضاً على ما يلبّي حاجته من أجل الشواء أحياناً .

_ ٢٦ _

غدا مكسيم رفيق والده إلى الحقول ، وخاصة عندما يكون العمل في البستان القريب من المنزل ، فكان يعاون والده في الأعمال الزراعية ، وفي تربية النحل ، وخاصة عند قطاف العسل . لقد أحب هذا العمل كثيراً ، وكان يفكر دائماً في النباتات والحشرات ، الماء والهواء ، و أخذ يلاحظ تأثيرها على بعضها البعض ، وتأثير الطبيعة عليها ، لاحظ أن لكل منها فائدته و مضاره ، وكيف يمكن للإنسان الحصول على تلك الفوائد ، و تحاشي الوقوع في أضرارها ، أما الشجرة فكان يرى فيها نبعاً للخيرات ، فهي التي تمد الطبيعة بالأوكسجين و تنقي الهواء من غاز الكربون الخانق . عندما رأى والده ذلك النشاط و الإهتمام و القدرة ، أوكل إليه العمل وفقاً لما يرغب و وفق الإرشادات ، فأصبح يعمل مساعداً ، وترك له أيضاً خيار جني الثمار وبيعها ، وكذلك سمح له التصرف بموسم العسل . لقد أيقن بأن مكسيم أصبح قادراً على التصرف وإدارة الأمور نحو الأفضل ، حتى أنه لاحظ أن مكسيم زاد من المبيعات ، وبالتالي ازدادت المدّخرات ، فكان يدّخر مصروف عامه الدراسي القادم خلال العطلة الصيفية . والدته تريده أن ينال درجة عالية في العلم ، لذلك أخذت تشجعه على الدراسة ودخول الجامعة ، خاصة و أنه من المتفوقين في المدرسة ، فقد خطر ببالها أن يدرس الهندسة المدنية ، فمن خلال عملها كانت ترى أهمية هذا الاختصاص ، بينما والده كان يشجعه ليصبح مهندساً زراعياً .

_ ٢٧ _

عندما كان مكسيم يرافق والده عائداً من السوق ، بعد أن باع إنتاجه من الثمار التي قام بجنيها من الحقل ، جاءت استجابة والده سريعة لرغبته في زيارة أبي فرح صديق والده ، أراد مكسيم من خلال تلك الزيارة أن يرى كيف أصبحت تلك القطعة من الأرض المجاورة لمنزل أبي فرح بعدما شجعه على زراعتها . بعد أن غادرا المدينة اتجها نحو مكان سكن صديق والده ، أخذ مكسيم يتخيل دار أبي فرح ، فكان يرى فيها الخضرة والنضارة ، وأصبح في شوق للوصول إليها سريعاً ، كان يشعر ببطئ سير العربة على الرغم من أن والده كان يقودها بالسرعة القصوى المسموح بها . أخيرا بلغا المكان ، وعند وصولهما أيقن أن ما تخيله أصبح حقيقة ، وقعت عيناه عليها فوراً ، وبعد أن أمعن النظر فيها ، وجد الفسحة الخالية أمام المنزل قد تحولت إلى حديقة جميلة ورائعة ، جلسوا فيها نزولاً عند رغبته ، وتحت ظلال الشجيرات النضرة الممتدة الأغصان ، بعد أن قام أبو فرح بوضع الكراسي والطاولة فيها تحت ظل إحدى العرائش . بانت على محياه مظاهر الفرح و هو يستمع إلى حديث أبي فرح عن تلك الحديقة ، وخاصة عندما نسب إليه الفضل في وجودها ، ولكن ما أزعجه خلال تلك الزيارة منظر الدخان المنبعث والمتصاعد من تلك المصفاة القريبة ، وذلك اللهب الذي لا ينطفئ ، لقد أحس به وكأنه يريد أن يحرق الكون بأكمله ، وتساءل : ألا يمكن تلافي تلك النار المتوقدة وإطفائها؟؟!. سأل أبو فرح : هل بإمكانه زيارة تلك المصفاة ، فأفاده بأن ذلك ممكن ، فلم يغادر المكان إلا بعد أن حصل على وعد بمساعدته على زيارتها ، على أن تكون

_ ٢٨ _

الزيارة قبل انتهاء العطلة المدرسية ، وخاصة أن العام القادم سيكون عامه الدراسي الأخير قبل دخوله الجامعة . ودّع أبو فرح ضيفيه العزيزين بمثل ما استقبلهما به من محبة ، على أمل اللقاء القريب في قرية أبي مكسيم بصحبة جميع أفراد العائلة . قاد والد مكسيم السيارة عائداً إلى قريته ، وفي الطريق الواصلة إليها بصحبة ابنه الذي كان طوال طريق العودة يحدثه عن الدخان والغازات ، وعن الاحتراق المستمر والدائم الناجم عن ذلك اللهب الذي لا ينطفئ في تلك المصفاة ، فما كان من والده إلا أن غير له الحديث بعد أن أعياه ما سمعه منه ، فسأله عمّا يريد فعله بالمبلغ المتأتي من ثمن المحصول الذي كان قد وعده به ، فكانت مفاجأة له ولم يكن يتوقعها عندما أبلغه بأنه سيشتري بها غراساً . لقد ظن أنه سيقوم بشراء موبايل حديث ، أو دراجة نارية أو هوائية ، أو بعض قطع الثياب كما يفعل أقرانه من الشبان عادة ، ولم يخطر له أنه سيشتري بها غراساً ، وكانت المفاجأة أكبر عندما حدد له نوع الغراس التي يريد شراءها جواباً على سؤاله له عن نوعيتها ، فقد أبلغه بأنه سيشتري غراس الخرّوب ليقوم بزراعتها ضمن أرض المصفاة . قال له : ألا تنتظر لحين زيارتها والحصول على الموافقة ، فقد لايسمح لك بمثل هذا لعمل ، وهو يحتاج إلى بعض الموافقات والإجراءات الأخرى أٌيضاً .

_ ٢٩ _

رد عليه : أدّخرهم إلى أن أحصل على الموافقة ، فما كان من والده إلا أن قال له : لن أعطيك المبلغ . صمت مكسيم وبدأ يفكر ويتساءل هل يفعل والده ذلك ؟، وماذا سيفعل لأجل الحصول على الغراس في حال امتنع عن إعطائه المبلغ حين الحاجة إليه ، وخاصة في حال حصل على الموافقة من شركة المصفاة على الزراعة؟ . عندما وصلا القرية نزل مكسيم من السيارة أولاً ، ثم تبعه والده الذي لازال منزعجاً من أفكار مكسيم في هذه المرة ، فكان يردد بعض العبارات وهو يدخل المنزل ، وبصوت مسموع : سيأخذ نقودنا ليحرقها في المصفاة . سمعه مكسيم فلم يحرك ساكناً ، فهو شاب صبور وبقي صامتاً يفكر بما يفعله معظم الناس لأجل الحصول على المنافع المادية القريبة والعاجلة والشخصية ، ولو على حساب الأمور الضرورية العامة والهامة ، فمكسيم يفكر في زراعة الغراس في أرض المصفاة ، ليخلق نوعاً من التوازن ؛ فبمقابل تلك الشعلة التي تطرح الغاز السام ستتواجد الشجرة التي تطرح الأوكسجين النقي الذي يفيد كل الناس . لم يكن يمضي الأسبوع الثاني على عودتهما من المدينة ، وبينما كان مكسيم يجلس في غرفته وراء الحاسب يستطلع بعض أنواع الزراعات المناسبة للأرض القاحلة والبيئة الصحراوية ، دخلت والدته وأعطته كيساً يتضح منه أن مبلغاً من المال بداخله ، سألها عنه ، فأجابته : إنه ثمن المحصول من والدك ، عندها علم أنه تراجع عن قراره فعاد وأعطاه المبلغ ليتصرف به كما يرغب ، أفرحه هذا الأمر ، وجعله يتأكد

_ ٣٠ _

بأنه على صواب وإلا لما كان والده قد عدل عن قراره ، ونفذ وعده بإعطائه ثمن المحصول . بعد ثلاث أيام يحين موعد عطلة نهاية الأسبوع ، إنه الوقت المحدد الذي اتفق عليه مع أبي فرح لزيارة المصفاة ، لذلك فهو يستعد لهذه الزيارة ، حيث بدأ بجمع المعلومات عن مصاف البترول وعن تلك المصفاة بالذات ، واستعان بالنت عن طريق محركات البحث المتاحة ، لمعرفة نوعية التلوث الذي تسببه تلك المصافي من خلال الدخان المنبعث منها ، واللهب المحترق فيها ، والروائح الكريهة التي تصدرها ، وكذلك عن نوعية الغراس التي تناسب البيئة الصحراوية ، وكميات المياه التي تحتاجها بعض أنواع الأشجار ، حتى أصبح بكامل الاستعداد للزيارة مع حلول الموعد المحدد لها . لم ينس أن يحضر معه لصديق والده عبوة مناسبة من العسل الشهي بطعم الخروب ، الشجر الذي قام بزراعته في القرية ، وأسهم في انتشاره . لقد كان مكسيم يعمل في الحقل والمزرعة دون كلل أو ملل ، بل بكل هناء وسعادة ، فيتفقد الأشجار والثمار وخلايا النحل وحظائر الماعز والغنم والبقر ، والتي أسهم في وجودها بالإضافة إلى بعض أنواع الطيور ومن بينها الدجاج ، فكان يستعين بالماعز والغنم للتخلص من الأعشاب بدلاً من المبيدات التي كان يعارض استخدامها لما لها من آثار ضارة على البيئة والإنسان ، فمن خلال استخدام الأعشاب علفا لحيواناته ، كان يحوّل تلك الأعشاب من شيء لا قيمة له إلى مواد نافعة ، فيحصل على علف طبيعي ويجنّب الأرض مبيدات ضارة تؤثر على

_ ٣١ _

التربة والمياه الجوفية . وبعد انتظار وجده طويلاً ، حان موعد الزيارة المتفق عليها مع أبي فرح ، فجاءت لحظة ركوبه بجانب والده بسيارته الزراعية قاصدين المصفاة التي لم تكن مسافتها بعيدة ، مثار فرح وسرور له . في الطريق كان يتلقى من والده بعض التوجيهات حول ما يمكن فعله برفقة أبي فرح ، فسأل والده عن صديقه و دراسته وطبيعة عمله في المصفاة ، فتلقى كل الإجابات التي تفيده . لاحت لهما الضاحية السكنية ، مكان إقامة أبي فرح ، أي أصبحا قريبين ولم تعد المسافة الزمنية والمكانية بالبعيدة ، فانفرجت أسارير مكسيم الذي بدأ يتأهب للنزول من السيارة ، ولم تكد تلك الأغنية الجميلة التي يستمع إليها من راديو السيارة تنتهي حتى بدأ والده باللاتجاه بها إلى الحارة التي يقطنها صديقه ، وأخيراً هاهما أمام المنزل . ركنها أبو مكسيم أمام باب المنزل في المكان المناسب ثم ترجلا منها ، حمل مكسيم صندوق الفاكهة الذي أحضره من بستانه في القرية لأبي فرح ، بينما والده قام بقرع الجرس ، قليلاً وانشق الباب ليطل أبو فرح مرحّباً . دخل مكسيم ووالده المنزل بسرور كما هو حال الصديق ، وكثرت الأسئلة ، وكان معظمها حول مكسيم ومزروعاته وأعماله و دراسته ، ثم تناولا القهوة وبعض الحلويات التي أعدتها أم فرح وقدمتها لهما . سأل مكسيم عن المصفاة ، وأبدى رغبة في الذهاب إليها دون تأخير ، وبعد استراحة لبعض الوقت ونزولاً عند رغبته أقلعوا باتجاهها ، المسافة قريبة فقد وصلوها سريعاً ، وكان الدخول إليها ميسراً . ركن أبو مكسيم السيارة في المرآب المخصص ، ثم نزلوا منها ليبدأوا جولتهم ، كان أبو فرح فرحاً وهو يشرح لمكسيم عن كل شيء ، فما يهم مكسيم هو المكان الذي سيزرع فيه الغراس .

_ ٣٢ _

كان يعاين كل الأمكنة بعين نافذة وفكر متقد ، ولاحظ عدم وجود أية غرسة في تلك الباحات الواسعة ، لا بل لم يجد أية نبتة ، ولاحظ أيضاً وجود بعض التمديدات لأنابيب مياه ، وأثناء تجواله كان ينظر إلى ذلك اللهب المتصاعد من أعلى عامود منتصب بتلك المنشأة وكأنها فتيل صاعق معد للأنفجار ، وفي أماكن عدة وهو يتجول في باحاتها تحاشى المرور بها خشية الانزلاق نظراً لوجود بعض المواد البترولية اللزجة المنتشرة عليها . بعد ساعة من الوقت الذي استغرقه مكسيم ليطلع على ما يريد ويحصل على ما أراد ، بادر إلى زيارة إدارة الشركة للحصول على الموافقة لأجل المباشرة بزراعة الغراس في الأماكن التي وجدها مناسبة ، في حال وافقت الشركة على هذا العمل . هناك في إدارة الشركة وجد صعوبة في الحصول على الجهة التي يمكنه بحث الموضوع معها ، فكانت كل جهة تعطف على الأخرى ، ومنهم من أفاد بأن هذا الموضوع من اختصاص جهات أخرى غير الشركة ، وبعد أن كان يهمّ بالخروج عائداً من حيث أتى دخل برفقة أبي فرح أحد المكاتب النقابية وبعد محادثة استمرت إلى مابعد الدوام الرسمي للشركة ، وعده بتأمين الموافقة ، ومما ساهم في ذلك أنها ستتم على نفقته الخاصة من دون أن تتكلف الشركة بأيّة مبالغ . أثنى أبو فرح عليه وهم يغادرون الموقع عارضاً المساعدة بما يستطيع فعله ومجاناً ، فلم يطلب منه مكسيم سوى متابعة الموضوع لحين الحصول على الموافقة ، والسقاية بعد الزراعة في حال حصولها ، وقد وعده بالعمل لأجل تحقيق المطلوب مع المساهمة بالقيام بالأعمال التي تتطلبها الزراعة .

_ ٣٣ _

فتحت المدرسة أبوابها ، وبدأ مكسيم التحضير الجيد لدروسه منذ اليوم الأول ، فهو كعادته يريد المحافظة على تفوقه من أجل الوصول إلى الاختصاص الذي يفكر في دراسته ، وعلى الرغم من ذلك لم يكن يتأخر عن متابعة أموره الأخرى ومنها الغراس التي تمت زراعتها في أرض المصفاة حيث كان يسأل أبا فرح عنها دائماً . استعاد مكسيم من محرك المنشار الذي أصبح غير صالح للاستخدام بعض القطع ، وحولها إلى مضخة ماء يستفيد منها في ري المزروعات للمسافات البعيدة . و في المدرسة غدا مكسيم كمركز الدائرة يجتمع أقرانه حوله يومياً يشاركهم بعض المعلمين ، فيحدثهم عن أعماله وأفعاله وعن أثرها في الطبيعة والحياة ، وكان يحذرهم من خطر المخلفات الصناعية من دخان وغازات سامة على الحياة البشرية ، ويحثهم على الاهتمام بالطبيعة ، حتى أنه كان يصطحب بعضاً منهم إلى حقوله ومزرعته ، ويزودهم بمنتوجاته من الثمار والفاكهة اللذيذة التي ينتجها من مثل العسل ومشتقات الحليب والألبان ، فأخذوا ينادونه : مكسيم الحكيم . كان مكسيم يفكر دائماً في الاختبارات النهائية التي مابرح ينتظرها ، ليس من أجل الحصول على الشهادة وحسب ، وإنما لاستعجاله من أجل دراسة الاختصاص الذي يرغبه في الجامعة ، والذي لم يحدده بعد ، علماً أن كلاً من والديه أبدى رغبته في أن يختار مكسيم الاختصاص الذي يحبه أكثر من مرة .

_ ٣٤ _

استشارته والدته ذات مرة برغبتها في الاستقالة من العمل ، فلم يوافقها الرأي ، ونصحها بأن تتابع عملها وتقدم الخدمات للراغبين من الناس ، فهي من الأمور الممتعة ، ونصحها بأن تتابع عملها حتى سنّ التقاعد . وكذلك عندما أبدى والده رغبته في بيع الجرار الزراعي عارضه معدداً له فوائد الجرار لأعماله الزراعية اليومية ، وبيّن له الخسائر التي قد تلحق به فيما لو بِيْعَ ، فأخذ بالنصيحة ، وتبيّن فيما بعد أنه كان مصيباً في رأيه . حضر أبو فرح لزيارة عائلة أبي مكسيم في القرية ، فكانت الزيارة مفاجئة لم يكن أبو مكسيم يتوقعها في هذا الوقت .   أفرحه حضور أبي فرح ، وتبين له أنه أحضر معه مقصّاً معدنياً لتقليم الأشجار وقدمه لمكسيم هديّة ، وأعلمه أنها مقدمة من شركة المصفاة تعبيراً عن شكرهم لجهوده . فرح جداً وهو يستمع لحديث أبي فرح عن تلك الشجيرات ، وأنها أصبحت محطّ إعجاب جميع من يعمل في المصفاة ، وطمـأنه بأنها تلقى العناية اللازمة وخاصة السقاية التي يتابعها أبو فرح عملاً بالوعد الذي أعطاه إياه حين زراعتها . سأله أبو فرح عن أحواله الدراسية ومدى استعداده للاختبارات النهائية التي أصبحت قريبة جداً ، فجاءه الجواب من والده الذي أيده مكسيم مضيفاً إليه بأن الفضل يعود لوالديه اللذين ما برحا يوفران له الجو المناسب ومتطلباته الدراسية . ومع انتهاء الزيارة التي كان لأبي فرح فيها زيارة إلى حظيرة الماعز ، اطّلع على تلك الأصناف الهامة والمرتفعة الثمن ، واطّلع أيضاً

_ ٣٥ _

على بعض الطيور المتواجدة ، منها الطاووس الذي فرد ريش ذيله فغدت تلك الريشات لوحة فنية جميلة . عاد أبو فرح إلى منزله بزوجين من الطيور التي أحبها و أحب تربيتها ، بعدما شرح له مكسيم عن فوائدها الاقتصادية والنفسية التي لم تكن تخطر بباله ، إذ كان يرى فيها منظرها الجميل وصوتها الحسن فقط . انكفأ مكسيم قليلاً عن متابعة الأمور التي لا تتعلق بالدراسة ، وتفرغ تقريباً للتحضير للامتحانات التي اقترب موعدها ، لم ينتظر من أحد أن يحثه على ذلك ، ولكنه كان يتلقى التذكير المستمر من والديه . فرح أبو فرح بالطيرين اللذين أحضرهما معه وبدأ بتربيتهما ، فكان يجتمع مع أبنابه حولهما ينظرون إليهما وكل منهم يريد التقاطهما ومداعبتهما وتقديم الغذاء لهما ، ومنه كسرات الخبز وبعض القمح ، وعندما لاحظ أبو فرح سعادتهم وسرورهم قال في سره : كم أنت رائع يا مكسيم ، كنت أفتش عن عمل أسعدهم به و لم يخطر ببالي ذلك .. في القرية ارتفعت درجة حرارة أبي مكسيم فأخذ يتناول دواء خافضاً للحرارة ، نصحته زوجته بزيارة الطبيب لكنه لم يفعل ذلك ، فهي تريده أن يتعافى كي لا يؤثر مرضه على دراسة مكسيم الذي سيبدأ بتقديم امتحاناته قريباً ، وقلقت على زوجها الذي بدا شاحب الوجه ، وما زاد من قلقها سعاله المتكرر الذي لم يكن ينفع معه تناول العسل وفقاً لما كان يتم سابقاً ، إذ كانت بضع جرعات من العسل لبضعة أيام كافية لإعادته إلى حالته الطبيعية ، ولم تستطع فعل شيء بل رضخت لرغبته بأنه سينتظر لحين انتهاء مكسيم من تقديم اختباراته . سمع مكسيم

_ ٣٦ _

سعال والده المتكرر ، الذي كان يصل إلى مسامعه في غرفته التي كان يحضّر دروسه فيها ، وقد أعاره الانتباه طويلاً ، حتى أحسّ من طريقة سعاله بأن حالته الصحية سيئة . ترك كتابه من يده ، و خرج من غرفته متجهاً إلى مكان وجود والده فرأه يرتشف كأساً من الشاي ، نظر إليه ثم خاطبه قائلاً : أراك غير مرتاح ياأبتي ، رد عليه بأنه يشعر ببعض الإرهاق والألم في الصدر . سأله : و لماذ لم تذهب إلى الطبيب ، فأخبره بأنه تناول بعض المشروبات مع العسل ، لم يقتنع ، مما جعله يطلب منه الاستعداد لزيارة الطبيب فوراً ، و قد اتصل بخاله آدم من أجل قيادة السيارة بدلاً من والده . لم يستطع والده إقناعه بتأجيل هذه الزيارة ، كانت الساعة الحادية عشر ظهراً عندما غادروا المنزل ، لم تكن والدته موجودة ، وفي طريقهم إلى عيادة الطبيب كان مكسيم ينظر إلى والده بحزن وألم ، وكان يقارن بين حالته هذه ، وبين حالته عندما كان يقوم باجتثاث أشجار الغابة . وصلوا العيادة وتأبط مكسيم ساعد والده ليساعده في ولوجها ، هناك أجرى له الطبيب الفحوصات الممكنة ، ووصف له بعض الدواء ، وطلب له بعض التحاليل . دفع مكسيم تكلفة الزيارة وثمن الدواء عندما أحضره من الصيدلية ، اصطحب والده إلى مخبر للتحاليل الطبية بغية إجراء بعض الفحوصات الضرورية التي طلبها له الطبيب ، أحس أن والده تحسن بعد الفحوص وبعد أن أسعفه الطبيب بحقنة تسهم في معالجته . في المختبر أُخِذت العيّنات المطلوبة وأعطي موعداً للحصول على النتيجة ، ثم عادوا إلى القرية وهناك وجدوا أم مكسيم بحالة من القلق ،

_ ٣٧ _

فهي لم تكن تعلم سبب عدم وجودهما في المنزل ، ولم تستطع الاتصال بمكسيم عندما عادت إلى البيت ، لقد كان جواله في البيت ، هو نسيه ولم يتذكره ليحمله معه حيث كان في عجلة من أمره . سألته عن صحة والده وماذا فعل ، فأخبرها بما جرى ، و أخبرها عن حالة والده و بأن الطبيب طلب منه إجراء بعض التحاليل و الصور الشعاعية ، و أنه سيقوم بالحصول عليها بعد يوم غد . سألته : أليس لديك امتحان؟!! نعم نعم ، و لكن لدي الوقت الكافي ، لا تقلقي . ترك والده يرتاح بعد أن تناول بعض حبات من الدواء التي وصفها له الطبيب في أثناء الزيارة ، مع شراب خاص للسعال ، و ذهب إلى غرفته يتابع تحضير دروسه ، لكنه بقي قلقاً على حالة والده الذي بدا عليه التعب و الإرهاق بوضوح . فكر بحالته ملياً ، ثم علل سبب مرضه وفقاً لما يرى ، فظن أن عمله السابق في إنتاج الفحم و ما ينتج عنه من غازات و مواد سامّة و هباب ناعم يدخل إلى الرئة من دون أن يلحظه ، هم أسباب المرض ، و خشي أن يكون قد أصابه المرض الذي لا شفاء منه  كما يعتقد بعض الناس ، و أخذ يتساءل : هل الغابة تنتقم لنفسها مما فعله بها ، و هل تثأر ممن يعتدي عليها؟؟!!!، بعدها نام ليلته وهو يفكر في حالة والده . تحسنت حالة أبي مكسيم قليلاً بعد تناول الدواء الذي وصفه الطبيب لكن سعاله لم يتغير وخاصة في المساء .

_ ٣٨ _

قدِم أصدقاء مكسيم لزيارته ، فكان كل حديثهم عن الاختبارات التي ستبدأ غداً ، أما والدته فقد قدمت لهم ما أمكنها من واجب الضيافة وخاصة من المشروبات المفيدة وشجعتهم و حثتهم على الدراسة . في الصباح ، و عندما غادر مكسيم المنزل ، وقفت والدته تصلي لأجله ، لقد بدأت امتحاناته ، منذ اليوم الأول لم يكن يجد أي صعوبة في الإجابة ، و بشكل تام , وعن جميع الأسئلة . وبعد أن أنهى اختباره للمادة الثالثة ذهب إلى المختبر وفقاً  للموعد المحدد ، فحصل على نتائج التحليل ، ثم قصد عيادة الطبيب المعالج ليعرضها عليه . في العيادة ، وبعد أن طال انتظاره فيها لحين إتاحة الفرصة له ، عاين الطبيب الصور و التحاليل ، فتأكد له ما كان قد ظن به سابقاً عندما عاينه ، إنه مصاب بورم في الرئة ، وعندما أخبره الطبيب تغيرت ملامح وجهه وسرح بأفكاره بعيداً وبدأ يساوره القلق ، ولكن على الرغم من قلقه و اضطراب تفكيره ، تابع امتحاناته كما يجب حتى آخر اختبار . لقد تفرغ بعدها لمساعدته في الحصول على العلاج و المداواة ، وأخذ ينتظر نتائج امتحاناته، وكان يحزنه وضع والدته عندما علمت حقيقة وضع والده الصحي ، حيث أصبحت مشغولة البال قلقة ، فكان يطمئنها بأن الشفاء ممكن ويعرض لها بعض الحالات المماثلة التي حصل فيها الشفاء ، وقال لها : عليكِ مساعدته في ذلك ، فقالت : بالتأكيد سنكون إلى جانبه و نقدم له الدواء و الغذاء و ما يحتاج إليه . أجابها : هناك ما هو أهم من ذلك ، فسألته على الفور : و ما هو؟

_ ٣٩ _

رد عليها : هو إرادة الشفاء و الخير ، فعندما نفكر في أنه سيتعافى ، يعود بصحة جيدة ، و ننظر إليه بهذه الصورة ، يكون ذلك عاملاً إيجابياً للشفاء ، وفي حال أخذنا نخاف عليه من الأسوأ ، سيكون ذلك سبباً في فشل العلاج . وقفت والدته تفكر فيما سمعته ، ثم تساءلت : أمكسيم يعمل بالسحر ؟!! ، و هل هو مميز في تفوقه و أعماله و فكره من وراء ذلك؟!. سألت مكسيم : و كيف لي أن أفعل ذلك و هل من طريقة أو أسلوب أو عمل عليّ القيام به ؟، فردّ : ليس لدينا إلا أن نفكر في أنه سيشفى و يعود سليماً معافى ، ونتمنى له الخير و نتخيله بأنه في صحة جيدة ، فقالت : يا لها من طريقة جميلة للشفاء . أخذ مكسيم بيد والده فكان رفيق دربه إلى المشفى ، و عيادات الأطباء ، و المختبرات الطبية و الصيدليات ، ولم يدعه ينقطع عن عمله ، فكان أيضاً يرافقه إلى الحقول ، فيزرع و يجني و يعمل بقدر استطاعته ، وبحسب حالته التي كانت تسوء أحياناً وتتحسن أحياناً . كان والده يسأله باستمرار عما سيقوم به من أعمال و إن كانت مناسبة له أم لا ، فقد سأله مرة : ما رأيك يا مكسيم أن تدرس الطب و تصبح طبيباً ، فعلى ما يبدو هذا مناسب لك . سؤال والده هذا جعله يتساءل في نفسه بأنه لماذا لم يخطر على باله يوماً أن يكون طبيباً ؟، فعلى ما يبدو أنه سيضاف إلى ألقابه ٌ

_ ٤٠ _

لقب آخر ، فبعد رعايته لوالده ، و مساعدته في العلاج و تناول الدواء ، سينادى له : الطبيب مكسيم . لقد تتالت ألقابه ، فكان في البداية وحش الغابة ، ثم بطل الغابة ، ثم المهندس الزراعي ، و من ثم الطبيب مكسيم ، فالطبّ مهنة رائعة تهتم بصحة الإنسان التي هي غايته في الحياة ، فما بعد العافية أي ثروة . تلقت والدة مكسيم رسالة من شقيقتها المتزوجة من رجل يعمل في منجم للفحم في بلد أجنبي ، فتبيّن لها بعد ما اطّلعت على ما جاء فيها بأنها أرسلت إليها مجموعة وثائق تساعدها في أن تقوم بزيارتها إلى هناك في حال رغبتها في ذلك . أبلغت مكسيم لتستطلع رأٌيه في العرض المقدم لها من شقيقتها لجهة قبوله أو رفضه ، و قبل أن يقدم لها النصيحة ، بادر إلى النت و استعان بمحرك البحث ( جوجل) لمعرفة مزايا تلك الدولة ، و موقع ذلك المنجم من الكرة الأرضية ، فاستطاع الحصول على بعض الصور للموقع  و للمكان الذي تقيم فيه خالته ، ثم عرض تلك الصور على والدته ، و أبلغها بالمعلومات التي حصل عليها ، فتعجبت من ذلك و هي ترى تلك المناظر ، سألته: ألا يمكنني رؤية شقيقتي ؟ أجابها : طبعاً ، لكن ذلك يتم بطريقة أخرى عبر السكايب ، سألته : وماهذا السكايب؟، فأجاب : إنه برنامج يمكّنك من رؤية من تتحدثين إليه ولو كان بعيداً عنك . سألها : هل تفكرين حقاً بزيارتها؟

_ ٤١ _

فردت : نعم ، و إنني في شوق إليها ، فمنذ أن تزوجت و سافرت  منذ أكثر من عشرين عاماً لم أرَها وجهاً لوجه . لقد تزوجت قبلي وسافرت مع زوجها إلى هناك ، ابنتها أكبر منك سناً ، و هي تدرس الهندسة البترولية ، عندما ذكرت والدته هذا الاختصاص أخذ يجمع معلومات عنه ليستطلع مجاله فوجده اختصاص واسع ، و خطر له اختياره . اصطحب والده في زيارة للغابة ، أجلسه إلى جانبه بالمقعد وراء المقود رغم ضيقه ، فهو الذي يقود الجرار ولأول مرة لكنه متمكّن من ذلك ، لقد أتقن قيادته وتدرب على يد والده ، و بعد وصولهما بدأا يتنقلان بين الأشجار ، أطالا المكوث تحت ظلال أشجار الخروب ، فجمعا بعضاً من ثمارها اللذيذة الطعم والطيبة المذاق ، وقام أبو مكسيم بتعبئة كيس متوسط الحجم منها ليقدمه لحيواناته من الماعز و الغنم و الأبقار ، فهي تتناوله بشراهة ، شاهد آخرون يفعلون مثله . لم يرَ مكسيم أحد يقطع شجرة ، بل كان كل من رآهم يجمعون ثمار الخروب و يتنزهون في الغابة ، في أثناء تجولهما لاحظ مكسيم أنه لا زالت آثار ما كان والده يفعله في الغابة واضحة ، و آثار ما فعله هو أيضا ، فهناك القطع وهنا الزرع , وشتان ما بين الاثنين ، أفعال مكسيم جميلة و رائعة وأفعال الوالد غير ذلك . لقد كبرت الأشجار التي زرعها و تكاثرت و انتشرت ، و بينما كانا يتنقلان من مكان لآخر في الغابة بين أشجارها و تحت ظلالها ، و إذ بطائر الغراب يفر من أحد أغصانها العالية ، نظر إليه مكسيم ثم نظر إلى أعالي الشجرة التي فر منها ، فتبيّن أنه بنى عشه

_ ٤٢ _

فيها فقال : يا له من طائر جميل يسكن هذه الغابة ، بالتأكيد إنه سعيد بها ، ما أحلى سكان الغابة ، من الطيور و الوحوش ، و الزواحف ، و الحشرات من النحل والفراشات الجميلة ، في المرة السابقة شاهدنا الثعلب بذيله الجميل و عينيه المتوقدتين  و فرائه المميز و قبلها سمعنا عواء الذئب . ناداه والده قائلاً : إنظر إنظر يا مكسيم إلى هذه السلحفاة ، فاتجه صوبه ليشاهدها ، قام والده بإمساكها بيديه و رفعها إلى الأعلى ، نظر إليها مكسيم و قال: يالها من مخلوق عجيب !. عادا من الغابة قبل مغيب الشمس كي لا يتأخر والده عن تناول الدواء الذي اقترب موعده كثيراً . على أثر الزيارة وبفضل ثأثيرها ، نام مكسيم ليلته هذه بعمق ، فزيارة الغابة أراحته كثيراً وأزالت عنه الإرهاق الذي أصابه من جراء الدراسة و التحضير للامتحان مما فوت عليه مشاهدة المباراة النهائية للفريق الذي يحبه في كرة القدم ، و لكنه عندما علم النتيجة ، بعدما استيقظ من نومه ، لم يندم على ذلك . كانت والدته قد عادت من عملها ، و بعد أن تناولت طعام الغداء واستراحت وقامت ببعض الأعمال المنزلية ، سألها مكسيم عما قررته بشأن زيارتها لشقيقتها ، فلم تعطه جواباً ، وأفادته بأنها تحتاج إلى المزيد من الوقت لتدرس الموضوع و تجري بعض الحسابات الضرورية ، و أمور أخرى ومنها حالة والده الصحية ، طلبت منه أن

_ ٤٣ _

يجمع لها مزيداً من المعلومات عن ذلك المكان ، و معرفة المسافة التي تفصل بين دولتهم و مكان إقامة شقيقتها . قال لها : و الكلفة؟، فذكرته بأن ذلك ما تكلّفت به خالته ، فوعدها بتأمين المطلوب . أبو مكسيم مشغول الذهن ، و مرهق التفكير ،  بسبب وضعه الصحيّ الصعب ، فمرض السرطان ليس بالهيّن ، و إن كان يوجد أمل بالشفاء . ٌكان دائما يتذكر  نصائح ابنه بأن عليه أن يتفاءل بالشفاء ، وأن يمارس حياته العادية ، و أن عليه أن ينسى مرضه و ألمه ، الأمر الذي يساعده على الشفاء فكان يعمل بتلك النصائح على الرغم من الألم الذي يعيشه . كان يردد في  نفسه مرات عديدة عبارة خطرت له و اقتنع بها : أنه لم يخطر بباله أن الغابة تستطيع الانتقام لنفسها ، وإن ما أصابه من مرض هو جزاء ما فعله بها . لقد تكونت لديه تلك القناعة بأن الإنسان لايصيبه أي مكروه إلا مما تجنيه يداه . في مكان عملها ، جلست أم مكسيم مع زميلاتها في العمل تحدثهن عن الدعوة التي وجهت لها من شقيقتها التي تسكن في تلك المدينة القريبة من منجم  الفحم الضخم . أخذت إحداهن تحدثها عن تلك المدينة ذات البيئة الملوثة ، المليئة بالأمراض ، ومما أبلغتها به أنها مصنفة من أكثر المدن تلوثا في العالم ، وجاءت أخرى وحدثتها عن مفاعل تتشيرنوبل ، و التلوث الذي أحدثه في البيئة في أوكرانيا . اشمأزّت من هذه المعلومات و قررت التأكد منها من خلال سرد ما جاء فيها على مسامع ابنها مكسيم

_ ٤٤ _

عند عودتها إلى المنزل ، وفي الوقت نفسه تستطلع ما جمعه لها من معلومات عن تلك المدينة وفقاً لما وعدها . فلم تكد تدخل المنزل عائدة من العمل ، و حتى قبل أن تخلع نعليها من قدميها - كما كانت تفعل دائماً- فقد جلست على الكنبة الخشبية واضعة محفظتها في حضنها و كلتا يديها فوق محفظتها ، ثم نادت مكسيم . حضر على الفور ، فسألته :هل من جديد..؟؟!!! لقد تناهى إلى مسامعي معلومات أريد التأكد منك عن صحتها ، سألها : و ماذا سمعت ؟!، فبدأت تحدثه وتسرد له ماسمعت ، وأعادت عليه شريط الذاكرة الذي سجل كل الكلمات في ذهنها ، و حيث أنه كان قد اطّلع و بحث و حصل على المعلومات التي طلبتها منه والدته ، وأكد لها صحة ما سمعته . و ما كاد ينهي عبارته الأخيرة حتى سمع منها قرارها النهائي ، ومفاده بأنها ألغت الزيارة قائلة : يكفينا ما أصاب أبا مكسيم ، ثم أشفقت على حال شقيقتها ، و على إقامتها في تلك المدينة ، و تساءلت : كيف للإنسان أن يضحي بصحته وحياته لأجل  لقمة عيشه ، و لماذا يسعى إلى إيجاد مايضره و يؤذيه ، و لماذا يدخل إلى باطن الأرض فيستخرج منها ما دفنه الله فيها بعيداً عن مخلوقاته؟!!. ألا يكفيه ما هو فوقها لتسيير شؤون المخلوقات حتى إذا  استخرجوا ما هو في باطنها أفسدوا بذلك ما فوقها..؟؟!!، لله درّ الإنسان ، خلقه الله لينعم في بقائه ، فأخذ يسعى و يبحث عمّا يسبب شقاءه ، فقد استخرج الفحم و المعادن و البترول و اليورانيوم من باطن الأرض لأجل  منفعته ، فكانت مصدر الضرر له ، وتابعت : أعتقد أنها نفايات لعوالم  سبقتنا في الوجود . سبحان الله ، يستخرج الإنسان نفايات عوالم

_ ٤٥ _

سبقته ، و عندما يريد التخلص من نفاياته السامة يعيدها إلى باطن الأرض ، عجيب هذا الإنسان يفعل الشيء و نقيضه للموضوع نفسه ، ثم صمتت قليلا ثم تعجبت من أين وردت تلك الأفكار في ذهنها..؟؟!!!. لقد كان نقاش مكسيم مع والدته طويلاً ، فأخذ يفكر في حال هذا الكوكب بعدما قام باستعراض الأماكن الأكثر تلوثاً في العالم ، فارتعد من المعلومات التي تناهت إلى فكره و تساءل : كيف يعيش الإنسان في مثل هذه المواقع..؟؟!!!، ألا يمكن الاستغناء عن العيش فيها ، و في حال الحاجة لشيء منها ، ألا يمكن لآلة أن تفعل ذلك بدلاً من الإنسان؟!!. من خلال حالة تداعي الأفكار التي أصابته ، كانت كل فكرة تنقله من حالة إلى حالة أخرى ، وكونها شعلة لمواد ملتهبة ، خطر بباله موضوع دراسته الجامعية القادمة ، و الاختصاص الذي سيختاره و يخوض غماره . لقد اقترب موعد صدور النتائج ، بضعة أٌيام فقط كما أكد له زميله ، هو واثق من النتيجة ، و انتظاره ليس إلا من أجل  الحصول على الوثيقة المطلوبة التي تؤهله لدخول الجامعة ، فكان في حيرة من أمره بين اختصاص الجغرافيا ، و الهندسة الزراعية ، و الطب ، و هندسة البيئة ، و الهندسة المدنية ، و يتساءل : ألا يوجد اختصاص يحتويهم جميعاً؟؟. ترك والدته تتناول طعام الغداء ، و خرج باتجاه مزرعته ليتفقد قطعانه في الحظائر ، و خاصة حظيرة الماعز التي أدخل عليها صنفاً جديداً ، إضافة إلى قطيعه . ولدى وصوله سأل العامل القائم على رعايتها عن ذلك الصنف ، فأخبره أن أموره على ما يرام . وبعد جولة اطّلع فيها على تلك الأصناف المتنوعة الألوان والأشكال ، و راقب فيها بعض حركاتها

_ ٤٦ _

وخاصة ما يتعلق منها بالمأكل و المشرب وبعض الحركات . لبعض الوقت انتقل إلى الحظائر الأخرى و خاصة الأبقار ، فراقب العاملين فيها و هم يقطفون الحليب منها ، ويجمعونه لأجل تسليمه للمعتمدين ، فوجد أن الأمر يتم بشكل حسن ، و خاصة  لجهة النظافة ، والترتيب في الخطوات و التنسيق في التسليم ، واطمأن على العاملين بأنهم يحصلون على كامل مستحقاتهم و احتياجاتهم من الطعام ، و اللباس الخاص بالعمل . عاد إلى المنزل ، وما كاد يدخله حتى سمع صوت محرك عربة تقف أمامه ، عاد وألقى بنظره إلى تلك العربة ليتأكد من بداخلها ، إنه صديقه فكتور أتى لزيارته ، فعاد لاستقباله ، و قبل أن يستريحا على شرفة المنزل المطلة على الغابة كما هي العادة لدى مكسيم عند استقباله لضيوفه ، أخبره فكتور أن نتائج الاختبارات ستصدر غداً ، و قد سرّه ذلك و أسعده . كانت زيارة قصيرة ، خلد مكسيم  بعد أن تركه صديقه للنوم ، وهو يحلم  بالنتيجة وبموضوع والده ، حيث سيرافقه في يوم الغد  إلى المشفى . وفعلاً فعندما كان يتابع علاج والده في المشفى وفقاً للموعد المحدد له ، بدأت تصله رسائل إلى جواله من أصدقائه و أقاربه ممن علموا بالنتيجة ، فيقدمون له التهنئة ، و منهم من يسأله عنها . علم والده بالنتيجة فاغرورقت عيناه بالدمع فرحاً ، فأخذه بكلتا يديه و ضمّه إلى صدره ، وقبّل وجنتيه مباركاً هذا العمل الرائع ، ومباركاً له التفوق ، و داعيا له بالتوفيق وهو يرجو الله أن يمد  بعمره ليراه حاصلاً على الشهادة الجامعية بالاختصاص المناسب . فرح مكسيم بهذه النتيجة ، و أسعده

_ ٤٧ _

أكثر فرحة والده واتصال والدته التي باركت له هذا التفوق عبر الجوال ، ثم قال : سبحان الله حتى للفرح دموع ، و لأول مرة أشاهدها . بعدما غادرا المشفى باتجاه القرية ، و بعد أن وصلا البيت وجد والدته بانتظارهما بشوق ولهفة ، فجاءت التهنئة من والدته موازية و مقاربة لما فعله والده ، وكررت عباراتها التي سمعها منها عبر جواله ، وزادت عليها زغرودة سمعها كل من حولهم من الجوار ، وسمعتها أيضاً حتى القطعان في الحظائر ، والتي بدأت تصدر أصواتاً مختلفة ، و كأنها تشارك بهذه المناسبة ، حيث اجتمع الخوار ، و الثغاء ، والنباح ، فكانت معزوفة موسيقية من نوع خاص تناهت إلى مسامع كل من هم في المنزل . اعتقد مكسيم  أنها تقدم له التهنئة بشكل جماعي ، فهذه هي لغتها و قد عبرت عما ترغب به ، فقال: يا إلهي ، حتى الحيوانات  تسعد لسعادة الذي يعتني بها ، و تحزن لحزنه ، فكم من كلب مات بموت صاحبه ، و كم من قطة انتعشت بنعم صاحبها ، نعم إنها أرواح تسعد و تشقى ، تمرض و تشفى!!!. ياله الطبيب البيطري من إنسان رائع يخفف عنها ألامها ، فيداويها ويقدم العلاج لها عند مرضها ، دون أن تشكو أو تمتعض . أجل ما أجمل الطب البيطري ، لماذا لا أختص بهذا الاختصاص و خاصة لدي قطعان من الحيوانات ، وبعض أصناف الطيور وهذا الكلب الأمين الذي يرافقني إلى الحقل و الغابة ، فيحرسني دون أجر أو منّة ، و تلك القطة القابعة في المنزل ، التي لا تغادر ولا تدع زاحفة تدخله أو قارضة تؤذيه . آه يامكسيم كم أنت متردد ، وأخذ يتساءل : لماذا لا  أترك الخيار لوالدي ؟، فأنا لم أعد قادراً على الاختيار ، فلكل اختصاص عمله المفيد ، سأعرض عليهما الفكرة عساهما

_ ٤٩ _

يحسمان أمري بدلاً من كل هذا التردد ، و خاصة أني أصبحت في مرحلة الاختيار بعد أن صدرت نتائج الاختبارات . عرض عليهما الموضوع ، وبدأ البحث و النقاش وارتفع الجدال ، كلا منهما يريد له اختصاصاً ، لم يتفقا ، و بدلاً من الوصول إلى مقترح يكون أساس الحل ، حلّ محلّه نقاش كاد أن يحوّل  المسألة إلى مشكلة بين والديه ، فكان عدم اتفاقهما اختلافاً إشكالياً ، و لولا تدخل مكسيم لإعادة الأمور إلى نصابها و حالتها الطبيعية لكانت تطورت الأمور نحو الأسوأ . اختلى بنفسه و أخذ يبحث عن مجال كل اختصاص تم طرحه من قبل والديه على حده ، و بدأ يقارن بينهم ، فهو يحب الاختصاص الشامل الذي يفيد العدد الأكبر من الناس ، فكان يحصل على المعلومات من مراجع عدة ، وكان يسأل من سبقوه إلى الجامعة عن الاختصاصات التي سيختارونها ، و بعد تمحيص و دراسة بدراية و عقلانية ، رجحت كفة الهندسة البيئية ، حيث وجدها تجمع اختصاصات عدة ، وهي تتعلق بعناصر الحياة ، الهواء و الماء و التراب ، و غايتها صحة الإنسان وسلامة الطبيعة ، و هذا مجال عمل اختصاص الطب . حان وقت التسجيل في الجامعة ، حزم أمره في اختيار الاختصاص الذي سيدرسه ، فحمل أوراقه الثبوتية المطلوبة و على رأسها الشهادة ، و ذهب لتقديمها إلى الموظف الموكل بذلك ، وأثناء حضوره إلى المبنى المتواجد فيه مكان التسجيل التقى بزملائه ، و جرت نقاشات فيما بينهم ، وعندما كان يبلغهم بالاختصاص الذي سيختاره كان يرى في وجوههم علامات  الاستغراب ، مما جعل مكسيم يتردد و يقع في حيرة من أمره ، الأمر الذي جعله يعود أدراجه من دون أن يقوم بالتسجيل في  اليوم  الأول .

_ ٥١ _

وجد أن معظم زملائه يقومون باختيار الطب و الهندسة المدنية . لقد عاد أدراجه من حيث أتى مانحاً نفسه فرصة أخرى كي لايندم بعد فوات الأوان ، فكما يقولون : (الندم بعد الفوات أصعب من الممات) ، خاصة وأنه لم يصادف أحداً من زملائه المتفوقين ممن قاموا بالتسجيل ، أن اختار هذا الاختصاص . عندما عاد إلى المنزل سأله والده عن الاختصاص الذي اختاره ، فأخبره بما جرى معه ، فعاد يتمنى عليه أن يدرس الطب ، أما والدته فقد تمنت عليه أن يختار الهندسة المدنية ، ثم أخبرته بأن شقيقتها عاودت الاتصال بها ، و تمنت عليها الحضور لزيارتها و أنها بشوق لها . سألها : وماذا قلت لها ؟ ردت : أبلغتها موافقتي ، وعدتها بزيارتي على أن أمكث هناك لمدة أسبوع ، أطّلع على مكان سكنها ، و أرى كيف يعمل زوجها ، ولن يصيبني إلا ما كتبه الله لي ، هاهم يقيمون هناك بشكل دائم ، وإن إقامتي بضعة أيام  هناك لن تؤثر على صحتي . خطر له خاطر في أن يرافقها في زيارتها عندما تذهب إلى هناك ، و لكنه تساءل من سيبقى إلى جوار والده و هو في هذه الحالة فتراجع عن فكرته . سألته والدته إن كان يعلم كم ستستغرق هذه الرحلة من مدة زمنية في الطائرة ، فأجابها : أكثر من خمس ساعات . أثناء حديثه معها كان والده يجلس مستمعاً ، فذكّره مكسيم بتناول الدواء ثم أرشده إلى طريقة تناول أحد الأدوية التي يتعاطاها ، و حذره من عدم التقيد بتلك الإرشادات ومدى تأثير مخالفتها على صحته . لقد علم ذلك من خلال المعلومات المدونة على تلك الورقة المرافقة للدواء ، فما كان من والده إلا أن شكره


www.dar-al-manal-al-arabi.com

d.damdom22@gmail.com

remonsoleman2@gmail.com

تم عمل هذا الموقع بواسطة